المقريزي
328
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الخصوم ، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، ابتاع من صفوان بن أمية رضي اللّه عنه دارا بمكة بأربعة آلاف درهم ، وجعلها سجنا يحبس فيها . ولهذا تنازع العلماء ، هل يتخذ الإمام حبسا على قولين ؟ فمن قال لا يتخذ حبسا ، احتج بأنه لم يكن لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا لخليفته من بعده حبس ، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة ، أو يقيم عليه حافظا ، وهو الذي يسمى الترسيم ، أو يأمر غريمه بملازمته . ومن قال له أن يتخذ حبسا ، احتج بفعل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، ومضت السنة في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ، رضي اللّه عنهم ، أنه لا يحبس على الديون ، ولكن يتلازم الخصمان . وأوّل من حبس على الدين ، شريح القاضي ، وأمّا الحبس الذي هو الآن ، فإنه لا يجوز عند أحد من المسلمين ، وذلك أنه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم ، غير متمكنين من الوضوء والصلاة ، وقد يرى بعضهم عورة بعض ، ويؤذيهم الحرّ في الصيف ، والبرد في الشتاء ، وربما يحبس أحدهم السنة وأكثر ولا جدة له ، وأنّ أصل حبسه على ضمان ، وأمّا سجون الولاة فلا يوصف ما يحلّ بأهلها من البلاء ، واشتهر أمرهم أنهم يخرجون مع الأعوان في الحديد حتى يشحذوا وهم يصرخون في الطرقات الجوع ، فما تصدّق به عليهم لا ينالهم منه إلّا ما يدخل بطونهم ، وجميع ما يجتمع لهم من صدقات الناس يأخذه السجان وأعوان الوالي ، ومن لم يرضهم بالغوا في عقوبته ، وهم مع ذلك يستعملون في الحفر وفي العمائر ونحو ذلك من الأعمال الشاقة ، والأعوان تستحثهم ، فإذا انقضى عملهم ردّوا إلى السجن في حديدهم من غير أن يطعموا شيئا . إلى غير ذلك مما لا يسع حكايته هنا . وقد قيل أن أوّل من وضع السجن والحرس معاوية . وقد كان في مدينة مصر وفي القاهرة عدّة سجون ، وهي حبس المعونة بمصر ، وحبس الصيار بمصر ، وخزانة البنود بالقاهرة ، وحبس المعونة بالقاهرة ، وخزانة شمائل ، وحبس الديلم ، وحبس الرحبة ، والجب بقلعة الجبل . حبس المعونة بمصر : ويقال أيضا : دار المعونة ، كانت أوّلا تعرف بالشرطة ، وكانت قبليّ جامع عمرو بن العاص ، وأصله خطّه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ رضي اللّه عنهم ، اختطها في أول الإسلام ، وقد كان موضعها فضاء . وأوصى فقال : إن كنت بنيت بمصر دارا واستعنت فيها بمعونة المسلمين فهي للمسلمين ، ينزلها ولاتهم . وقيل بل كانت هي ودار إلى جانبها لنافع بن عبد قيس الفهريّ ، وأخذها منه قيس بن سعد وعوّضه دارا بزقاق القناديل . ثم عرفت بدار الفلفل لأنّ أسامة بن زيد التنوخيّ صاحب خراج مصر ، ابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار ، كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك ليهديه إلى صاحب الروم ، فخزّنه فيها ، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه حين تولى الخلافة ، فكتب أن تدفع إليه . ثم صارت شرطة ودار الصرف ، فلما فرغ عيسى بن يزيد الجلوديّ من زيادة عبد اللّه بن طاهر في الجامع بنى شرطة في سنة ثلاث عشرة ومائتين ، في